وَلَكِنَّ صُعلوكاً صَفيحَةُ وَجهِهِ
كَضَوءِ شِهابِ القابِسِ المُتَنَوِّرِ

فصل في الأردمان

‏بينما كنتُ أبحثُ في أخبارِ الشجعان، وطرائفِ الفرسان، إذ وقعَ لي خبرُ بيلوف بن يجثو الفارس الغني عن سلاحه، عزمت على أن أسأل شيخًا أعرفه أشقر يقال له: أبو جِبْت، قال: يُروَى في أخبار الملوك والفرسان، من الروس والأردمان: أنّ بيلوف بن يجثو كان فارسًا جسورًا يُهاب في بلاد الشمال، لا يعجزه خصم ولا تردعه أهوال، وما زال في قوّة السواعد وسطوة الشجعان، حتى طغت أخبارُ بلاءٍ حلّ بأحد ملوك الصقالبة والروس، يدعى رجار الذي شاد قصرًا عظيمًا سمّاهُ بدار العامة، حيث يجتمع فيه بفرسانه وأمراء جيشه ليأنسوا بالولائم والسرور، لكن غيلانَ الآجام وما تلدها الوحوش، لم تكن تترك دارًا مبنيةً إلا وجاءها شرّها، فقد جاءهم غول فظيع في جنح الظلام، يقال له: رنديل بن أمه، يأكل من يلقاه ويفتك بالصبيانِ والشيوخ، فعمّ البلاء وتفرّقت الفرسان عن القصر، وجَعَلَ أهلُ البلاد يهربون خوفًا، فلمّا بَلَغَ ذلك إلى بيلوف بن يجثو، أبحر إلى بلاد السلطان بنفر من أصحابه وكان فيهم من يشهد له بالشجاعة، وكانوا من الأردمان والصقالبة من أعوانه، فلما بلغ بيلوف تلك البلاد، أتاه رجار السلطان المجوسي وأكرمه وأحسن إليه، وسأله إن كان يستطيع قتال الغول، فأجابه بيلوف أنه عازم على مقاتلته بغير سلاح، فما احتاج الفارس يوما إلى سلاح، فلما دخل الليل تربص بيلوف بالغول، وما هي إلا أن انسلّ رنديل بن أمه حتى دخل دار العامة، ثم انقض عليه بيلوف وأمسك بيده، فما استطاع الغول أن يفرّ ولا ينجو حتى اقتلع بيلوف ذراعه وصار يئنّ من شدّة الألم، حتى خرج من الدار يعدو إلى الغابة ومات هناك، وما لبث أن جاء شر جديد من أم رنديل، وهي أشد منه بطشًا، وجاءت إلى القصر طلبا للثأر، فلمّا هجمَت على القصر أخذت أحد رجال السلطان وهربت به إلى كهفها في جوف الأرض، فلمّا علم بيلوف بذلك، لحقها ولم يتوان عن قتالها، وما هي إلا أن اشتدّ القتال بينهما فاستعان بيلوف بسيف في الكهف قديم وتمكن بعد عناء من قتلها، فلما عاد بيلوف إلى القصر استقبله السلطان رجار أيّما استقبال، وأغدق عليه الذهب والحلل، فأقام بيلوف مع رجار مدة من الزمن ينعم بالراحة بعد عناء، فاستقر الأمن في تلك الديار، ثم عاد إلى بلاده محفوفًا بما ناله من مجد وشرف بين الأقوام.