حكايا هريرة - السلطان الجائر
ثم إنّ هريرة -فتق الله ذهنها بالحكمة- قد حكت لأبنائها قصة قبل نومهم فيها من الحكمة واللهو مافيها فقالت: زعموا أن بلدًا تكاثرت عليه المصائب وشعبه في هم وغم وعليهم سلطان جائر لم تنفع معه نصيحة عالم ولا صبر صابر وظل هذا البلد في مصائبه وقتًا غير قصير حتى ذاق بعضهم ذرعًا واجتمعوا ليجدوا حلاً فقال رأسهم: إن جور السلطان قد بلغ مبلغًا لا يردعه نصح عالم ولا يُطيقه بشر فماذا ترون؟
فقال أحدهم: إن العالم ينكب على علمه وينأى به عما سواه فلا يضره ما أصاب الناس وكذا الزاهد والمُحتال يحتال لنفسه أما البطل فيضحى بنفسه لينقذ غيره ولا أعرف وقتًا خير من هذا ليظهر البطل وينقذ البلاد.
فقال له آخر: هذه حيلة الكسول ينتظر غيره ليبعد عنه الضر، إن انتظرتم بطلاً فلن يظهر فالبطل يظهر من ذات البلد المستضعف لا من غيره، كما أن البطل لا ينقذ البلد فردًا بل تُنقذ البلاد باجتماع شعبها ووقوفهم وقفة الرجل الواحد فأرى أن نجمع الجند من بلدنا وغيرها ونحارب السلطان فإنما يُغلب العدو بالتعاون كما غلبت الأرانب الفيل المغتلم.
فقال له بعضهم: وكيف كان ذلك؟
قال: زعموا أن أرضًا من أراضي الأرانب كثرت خيراتها ووفر ماؤها وعاشت فيها الأرانب في أُلفة وتعاون حتى مر فيل يومًا بهذه الأرض وأهلك منهن الكثير فنادى فيهم أرنب لبيب: يا معشر الأرانب اجتمعوا على العدو الجافي فالاجتماع حيلة الضعاف.
فاستصوبوا رأيه واجتمعوا ليجدوا حيلة تنفعهم في مصيبتهم هذه وكان فيهم ثلاثة عُرف فيهم كمال العقل وسداد الرأي فقال أولهم: أرى أن نترك الأرض لذي الخرطوم ونستريح من أذاه.
فصاحت الأرانب: ليس برأي، لا يترك أرضه كلما أصابته مُصيبة إلا الجبان.
وقال ثاني الأرانب: أرى نستعين بالثعلب ليحتال لنا بحيلة تُنجينا من الفيل ونجازية إن نجح.
فقيل له: لا يا أخ الأرانب لا يُدفع العدو بالعدو.
ثم قال الثالث: اجتمعوا فإن في الاجتماع قوة ثم احفروا في الطريق هوه وغطوها بأغصان الشجر وأوراقها حتى يغفل عنها الفيل فيسقط ويُقال أكلت الأرانب عقل الفيل.
فاستصوبوا مقالته واجتمعوا وحفروا حفرة عظيمة سقط فيها الفيل على أم رأسه وارتاحت الأرانب من أذاه وإنما ضربت لكم هذا المثل لتعلموا أن الضعاف قد يغلبون القوي إن لم يعجزوا وأعدوا العدة واحتالوا بما يعرفون من حيل.
فأُعجب الرهط برأيه وعزموا أن يرتحلوا لبلدان أخرى يطلبون عونهم.
فلما انتُضي نصل الصباح وبرز جبين الضو اجتمع الرهط وكانوا أربعة واتفقوا ألا يعودوا إلا بجمع يعينهم في مصيبتهم هذه وذهب الأول إلى أرض يُقال لها دعجاء فيها مجانين جُنوا فما انخدعوا بعقلهم فتاكون لا يخافون لومة لائم ولمّا دخل القرية لقي مجنونا يمتطي عصاه فقال له: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال له المجنون: وعليكم فقال له ضيف القرية: ما منعك أن تكمل سلام؟ فقال: منعني أني لا أدري أمسلم أنت أم كافر.
فقال له الضيف: مالك لا تحسن الظن، إني مُسلم أشهد ألا إله إلا الله وأن مُحمدًا رسول الله
فقال المجنون: إيه وماذا تُريد منا؟
قال الضيف: أريد معونتكم على سلطاننا الجائر
فقال له المجنون: اذهب لشيخنا واطلب منه هذا ولكن اعلم أننا لا نعين إلا من به جِنة
قال الضيف: أين شيخكم هذا؟
قال المجنون: في البيت الذي بجنبه شجرة ثُم ذهب يمتطي عصاه
مشى الضيف وتوغل في الأرض فوجد كُل بيوتها بجنبها شجرة ثُم وجد رجلاً ضخم الجثة طويلاً مُتمددًا وقال له: أين بيت شيخكم؟ فقال: بيته جنبه بيت ولم يزد عن هذا حتى مع الإلحاح في السؤال.
ثم مُضى فوجد رُجلاً قصيرًا مُترددًا فسأله عن البيت
فقال له: حيّاك الله، من أين أقبلت؟ وأين نزلت؟ ومتى وافيت؟ وهلمّ إلى البيت، بيت الشيخ في آخر الطريق الشجرة المقلوبة جنبه والبيت المُهدم بقربه وشيخنا على كتفه جنازة وعلى رأسه وسادة ويحمل في يده عُكازة كُل وجهه جروح أعمى وأبرص وأصلع لكنه أعمى البصر لا البصيرة جسده هالك لكن قلبه سليم وعقله حاضر حكم أرضنا فعدل وإنا لمحسودون فيه"
وقاطعه الضيف وقال: هنيئًا لكم به.
وذهب حيث أرشده.
فوجد الشجرة المقلوبة والبيت الخرب جانبه دخل لبيت الشيخ جانبهم وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فرد الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ثُم تقدم الضيف فوجده كما وُصف أعمى وأبرص وأصلع على كتفه جيفة حيوان لا يُعرف شخصه وعلى رأسه كيس أرز وكل وجهه جروح.
قال الشيخ: من أنت؟
قال الضيف: ضيفٌ يطلب العون.
قال الشيخ: رحُب واديك وعز ناديك.
قال الضيف: ولا ألّم بك ألم ولا طاف بك عدم.
قال الشيخ: سلمك الله تعالى من الرهق والوهق، وعافاك الله تعالى من الوحل والزجل.
قال الضيف:وسلمك الله من الشاردات والواردات، وسلمك الله بين الأعنة والأسنة.
قال الشيخ: لا ابتلاك الله تعالى ببلاء يعجز عنه صبرك. وأنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك.
قال الضيف:وأبقاك ما تعاقب الليل والنهار، وتناسخت الظلم والأنوار.
قال الشيخ: ولا أخلاك الله من شهر تستجده وخير منه تستمده.
وخشي الضيف أن يستمرا على هذا فقال: أطال الله عمرك ولا أحوجك لغيره وجعلك مسؤولا وقته وفير لا سائلاً وقته شحيح، إني جئت بعدما تكاثرت على أرضي المصائب وجار علينا سلطاننا وذقنا ذرعًا به وإني سمعت أن هذه الأرض فيها قومٌ فتاكون لا يخشون لومة لائم ولا يتفكرون في عواقب أفعالهم وأنا طالبٌ العون منكم فلا تردني خائبًا.
قال الشيخ: وصلت غايتك لكن لن تظفر بها مالم تُكن أهلا لها فإنّا لا نعاون إلا من هو أهلٌ للمعاونة فابقى معنا شهرًا وإن تحملت أرضنا ونجوت بعقلك أعناك أما إن جننت فقد وطئت أرضك ونزلت أهلك
فقال الضيف: قواني الله وأدام علي غريزة العقل.
ثُم إن الضيف قد عاش في القرية شهرًا مرت أول أيامه بيسر ثُم تعسرت فكل يومٍ يحس أنه المجنون وهم العقلاء ويتخبط تخبطًا ويغم قلبه ويوشك أن يُجن فلا يجد من يحادثه بعقل ولا يجد من المجانين مهربًا فهذا يمتطي عصاه وهذا يُحادث نفسه وذاك يُحادث الوحوش وآخر يُحادث الجمادات وهؤلاء يتعاركون على أمر سخيفٍ وكلما حاول أن يفعل فعل عقلاء كأن يكتب قصة أو يصنع صنعة نهره أصحاب الأرض فمر هذا الشهر كأنه سنة وأوشك أن يستسلم غير أنه ذكر نفسه بحقده وغضبه وأكد لها أنها أيام وتمضي
وفي اليوم التالي للشهر طلبه الشيخ فجاءه وقال له: ما عدت أقوى أن أُمسك زمام عقلي أكثر من هذا.
فقال له الشيخ: حسبك هذا القدرُ من الصبر وإنه لأمر عظيم خليقٌ أن تفرح به وإنك إن تغلبت على نفسك فلا أحد يقدر عليك وإنّا مُساندوك في حربك هذه إما مُنتصرون أو مَيتون.
ثُم جمع الشيخ مئة من جنده وذهبوا مع الضيف لأرضه مُدججين بأسلحة عجيبة فيهم من يَحمل فأسًا حجمه ضعف فؤوسنا المعروفة ومن يحمل ثلاث سيوف وآخر يحمل قوس سهامه سيوف وآخر يحمل سلسلة طويلة وكُلٌ يحمل سلاحًا مُختلف عن صاحبه.
وحين اقترابهم وجدوا جيشًا آخر جلبه أخ ضيف قرية المَجانين واجتمع الجيشان فحدث ضيف قرية المجانين قصته لأخيه وحدثه عن قصته فقال:
لمّا تفرقنا لم أدري إلى أين أذهب وأي أرض أحل وما ظننت أن أهل أرضٍ أعرفها يُساعدوني فسرت وسرت حتى طرحتني النوى مطارحها إلى صحراء بعيدة وجدت فيها قومًا ليسوا كغيرهم اتخدوا القفار البعيدة مَسكن لهم ونأوا بنفسهم عن القوم ورأيت فيهم قدرتهم على إنجادنا فدنوت منهم ولمّا صكَّ الشبح بالشبح قُلت السلام عليكم فقال رأسهم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته تفضل يا أخ العرب؟
فقلت: إني امرؤ من أرض بعيدة علينا سلطان جائر ينُغص معيشتنا فارتأينا أن نردعه ونجمع من يعيننا على هذا فمضيت لا أدري أين أذهب حتى وصلت هنا وإني أتوسم فيكم المقدرة على إنجادنا.
فقال: وماذا سنجني من مُساعدتكم؟
قلت: رحمة الوالدين
فقال: وماذا أيضًا؟
قلت: إن شاء الله وانتصرنا لكم ما شئتم من الأموال ولكني لا أظنكم ممن يبغي الأموال فأخبروني مُبتغاكم فأرى.
فقال: إننا قوم لا نبغي إلا علو الكلمة ومجدًا مؤثلاً ونعينك إن عاهدتنا أن تصير أنت وقومك على منهجنا وتنأوا بأنفسكم عن سفاسف القوم وملذات الدنيا ومُهلكاتها.
فقلت: لكم ما أردتم
فقال: بت الليلة معنا وغدًا نبعث معك رسولين ليتبينا أمر أرضك وما حل بها.
فبت معهم ليلة فراقها الصُبح ومُضيت مع الاثنين وعدت للأرض وعرفا أن خبري حق لا مرية فيه فعدنا إليهم وجئت بهم معي وهاهم هنا جُمع من الشداد العدائين الكِرام سموا أنفسهم الصعاليك.
فقال له أخوه: أحسنت والاختيار وظفرت بالقوم نعم القوم ثُم سأله: أما عرفت ما حل بالأخرين؟ فقال: لا؟ فقال له: اليوم ننام ليلتنا هنا وغدًا نهجم على الأرض جاؤوا أو لم يجيئوا
وباتوا ليلتهم هذه يتحارسون ولمّا انتضي نصل الصباح وبرز جناح الضو إذا بهم يرون شخصين يدنوان مِنهما فعند وصولهم ظهر أنهم إخوتهم فقيل لهم: ماذا حل بكم؟ وأين الجند الذين طلبتم معونتهم؟
فقالوا: إنّا ذهبنا لقرية غير بعيدة نطلب معونتهم فأكرمونا وأحسنوا ضيافتنا وقالوا: تبقون في ضيافتنا ثلاث أيام بلياليهم تأكلون وتشربون وتنالون ما يناله الضيف من مضيفه وبعدها نعينكم بعون الله ففرحنا بهذا وبقينا معهم اليوم الأول والليلة الأولى واليوم الثاني غير أنه في ليلتها نهض أحدنا ليقضي حاجته فسمعهم يتهامسون أنهم سيسلمون الضيوف للسلطان غدًا وينالون الجائزة ويتقربون من السلطان فيعين قريتهم هذه
فذُهل وابتئس وأيقض أخوه وقال: نم تَمُت إني أهل القرية مكروا بنا ولأن بقينا هنا فإننا هالكون.
فقال له أخوه وهو يتمتم بين حلم ويقظة: هذا ما يصيب الذي يطلب معاونة قوم لم يثبت أمرهم وقد قيل: كالمستجير من الرمضاء بالنار لكننا لا نقنط ونمضي ليلتنا كأن لم نسمع شيئًا ونغافلهم غدوة ونهرب، ثم هربنا وها نحن عندكم اثنان يجران ذيل الخذلان لم يظفران بصديق ولا مُعين.
فقلنا: لا عليكم المهم نجاتكم وقد ظفرنا بمن يعيننا ولله الحمد وإنا مُغيرون على أرضنا لنردي السلطان قتيلاً.
ثم خطب رأسنا فقال: اعلموا أن الحرب لا تخاض بالسيوف وحدها بل بالعقول ولا يغرنكم كثرة الجيوش ما أحسنتم التدبير وآمنتم بالله حق الإيمان به {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ} ثقوا وتدبروا وكروا عليهم كرة رجل لا يبتغي مدح الناس بل رضى رب الناس.
وهجمنا عليهم بغتة وخضنا حربًا دامية ضروس لا ينجو منها إلا طويل العمر غير أننا أُعنّا بقوم فتاكين لا يخافون الموت فكان الواحد يقدر على عشر من جند السلطان المتخاذل وما هي إلا أيام وهزم جيش السلطان ومات السلطان شر موتة ونجت الأرض من جبروته وارتاح الشعب منه.
ونام أبناء هريرة فسكتت عن الختام.