وَلَكِنَّ صُعلوكاً صَفيحَةُ وَجهِهِ
كَضَوءِ شِهابِ القابِسِ المُتَنَوِّرِ

خبر السكين

ثم إنه أدام الله تمكينه، دخل على خرعوب في ليل داج، فكان يُحادِثُهُ ويحدِثُهُ فسأل: وهل علمت يا خرعوب ما قد قيل في شأن ابن البُرعُل؟ فقال: اسمع يا عُلابط، حدثني أهلُ ثقتي عن أهل ثقتهم، عن قاسمٍ النهشلي، قال: قال: حدثني ابن رعدٍ أخو برق، صديق ابن أب حُصين، عن الأطومِ الثمثمي، قال: أبصرتُ إيليَّا أحد أيام الصيف يجلسُ في قطربل، فلما رآني لوح لي أن تعال، فأتيته وجلست، وكان عند قدَحِهِ سكينٌ حُد، فكأنه لو لمس بطناً خرج من ظهر، فقال: أعلمت يابن الثمثمي لمن هذا؟ قلتُ لا. قال: هذا سكين ابن البُرعُل. قلت: ومن ابن البُرعُل؟ فأشار بطرفه إلى طاولة قريبة…
وقال: هذا الخَيتَعور ابن البُرعُل، وله من اسمه نصيب، رأيته يفري لحم كوام الإبل. قلت: ومن كوام الإبل؟ قال: صاحب السكين. قلت: أليس صاحب السكين هو ابن بُرعُل؟ قال: لا، لعل الصفراء الكرخيَّةَ أثرت عليك. وقد كنت متأكداً أني ما دانَيتُ الصفراء، إذ إني أحب الحمراء. قلت: وما قصة السكين؟
فامتعض إيليَّا وعرق جبينه ولف الراح بالراح وصرخ: يا سمك! يا سمك! هل أنت على العهد القديم مقيم؟! فصرخت السمكة في إناء من جاورنا: لا! فقال إيليا: خسف الله بك! قبحك الله من سمكة! فغضبت المغنية وقالت: لا تسُبَ السمك! فطوى إيليَّا كشحه وبصق وقال: اسمع يابن الثمثمي!
حدثني أهل ثقتي عن أهل ثقتهم، عن عُلابط، أنه رآني ذات يومٍ في الشتاء، جالساً في سكة قريبة، أتلفح في ما ظنه فرو ذئب سميك، قد وقاني القر وبعُدَ عن العر، فإذا كوامُ الإبل يأتي يريد سلب فروتي فقلت له: يابن النهشلي! أما علمت أن الفروة في الشتاء أفضلُ من الصيف؟ قال بلى، فقلت: يا حمار..
قل نعم، فكيف تؤكد على منفي وأنت تُقِرُ به؟ فغضب ابن النهشلي من نعتي له بالحمار، وتجاهل بديهيات اللغة، فأظهرت سكيني هذا وأشهرتُهُ في السماء، حتى كأن نصلَهُ خيطٌ من النور يَلمَع، فدُهشَ ابن النهشلي وما تركته يتكلم حتى شَجَرْتُهُ به فقُطِعَ وفار الدم…
وما إن فرغ إيليَّا من قصته حتى سمعنا عويل ابن البُرعُل، فقلت له ما بك؟ قال: إن هذا ضرب أخي وقتله، ثم باع ثيابه حتى يتصدق على المغنية، فرد إيليا: ألا تَخرَسُ يا سكير؟ أتعبتني وأنا أقول لك أن الفري شيء، والقطع شيء، والبتر شيء، والشَّجْرَ شيء، فهلا أخرست عويلك قبل أن أُطِمَه؟
فزَعَقَ ابن البُرعُلِ وقال: لعمري لقد طَفشتني، وما معنى الشَّجر؟ فتململ إيليَّا ورماه بالسكين فدخل في أنفه وخرج من قفاه. ثم قال: هذا هو الطعن بالسهام. فخفت على نفسي وقلت أخرج بلا صوت ولا خوت4، فخرجت وأنا اسمعه يُنشد:
تَرَكتُ الخُمورَ لأَربابِها
وَاقبلتُ أَشرَبُ ماءً قُراحا
وَقَد كُنتُ حيناً بِها مُغرَماً
كحبّ الغلامِ الفَتاةَ الرَداحا
فَلَم يَبقَ في الصَدرِ مِن حبّها
سِوى أَن إِذا ذُكِرت قُلتُ آحا

وهذا ما كان من خبر السكين.