وَلَكِنَّ صُعلوكاً صَفيحَةُ وَجهِهِ
كَضَوءِ شِهابِ القابِسِ المُتَنَوِّرِ

كتاب الصعاليك

الفصل الأول: مئة نفر

تذاكرت يومًا مع بِلوط بن مقنَّع (إليون ماسك) أخبار الناس والطوائف وما كان يألفهم من خيرة القوم وسؤددهم فقلت: هل حيلة في لقاء من اتفق منهم؟ فقال: حتى استأذن شيخي، فقلت ومن شيخك ولك مال الدنيا؟ فأشار على رجل ذميم الخلقة طال أنفه فلو قطعت منه النصف ما زالت منه صفة الطول
فعرفت أنه يهودي، فقلت: عظيم بين الخلق وتتخذ هذا شيخًا؟ فقال هذا ما كان ثم انصرف عني في طرفة عين كأن لم يكن، فانتظرت ساعة ولم يرجع فخرجت من المجلس لحديقة بلوط فإذا هي ليست حديقته فأبصرت أرضًا لا كأرض البشر وشارفت جوا لا كجوهم، متفرع الأشجار متعطر بالأزهار وإذا ببلوط أمامي يقول: حللت أرض صفوة العرب في زمانك فبمن تريد اللقاء قلت: كلهم سواء لكنني إلى أهل اللغة والشعر أشوق، فقال لله أنت! فقلت ويعرف الله من شيخه يهودي؟ فسكت، فتجولت في تلك الأرض وكلما لقيت نفرًا سلمت عليه وحادثته بما يحب تارة وبما يكره تارة حتى إذا ختمنا حديثنا ختمت بما يحبه فيغفر لي سابق حديثي ويتبعني في تجوالي، حتى أكملنا 30 نفر، فأشرت لبلوط وقلت: أكملت حاجتي من أهل الأدب، فخذني إلى أهل المجون واللعب، فصفر حتى نزلت من السماء فرس شقراء كأنها تلتهب، وعيناه حمر كأنما الجمر، فصرنا عليه وسار بنا كالطائر يجتاب الجو فالجو ويقطع الدو فالدو
حتى التمحت أرضا لا كأرضنا ولا كأرض أهل الأدب أرضها باردة لونها لون اللهب، أشجارها من ذهب وقطوفها التفاح والعنب، فقال بلوط حللت أرض المجون فمن تريد منهم؟، قلت انزل يا طالب اليهودي وكف عني لسانك، فنزلت من الفرس، وتبع أهل الأدب على تفئة، فالتمحت حانة فقلت: هلموا ندخل
فدخلنا فإذا بأهل المكان سكارى فتجولت في الحانة كما تجولت في أرض الأدب ألقى سكرانا فأسايره على حد سكره وينشد البيت فأرد عليه ويرفع الكأس فأصب له، يرمي نعله فأرمي نعلي فيضحك وأضحك حتى إذا استئذنت استئذن أن يتبع ويلتحق بأهل الأدب وبمن غيره أجمع، حتى بلغت حاجتي من أهل المجون فأشرت على بلوط كما سبق فصفر كما صفر ونزلت الفرس فصرنا عليها وسارت بينا، فقال: جمعت الأدب والمجون فمن تبغي بعد، فقلت إلى أرض الملوك والساسة وأهل التاريخ والسياسة فانصرف بنا إليهم فالتمحت سماءً كسمائنا وأرضًا كأرضنا، فقال بلوط : حللت أرض الحيلة، فقلت : أدرى بالحيلة يا ابن اليهود فسكت،.
فنزلت من الفرس وصار كما سبق من حديث لأهل الأرض ومشاجرة فئة ومصادقة فئة حتى أحصيت رفقتي فوجدتهم أكملوا مئة نفر، فقال بلوط: إلى أين الآن، قلت: إلى بيت أمك، فسكت وسكتُ.

الفصل الثاني: رعد

وحكى دوليث أن رعدا دخل يوما على بلوط وعنده العرب المعاصرون، فقال بلوط لرعد:
أتعرف هؤلاء؟ قال: لا، ومن هؤلاء يا تلميذ اليهودي؟ فقال: هؤلاء العرب المعاصرون، فقالوا، نحن الذين شتمنا عرضك، وأسهرنا ليلك، وآذينا الصعاليك، فقال رعد: أما قولكم شتمنا عرضك فما ضر البحر أن يشتمه من غرق فيه، وأما قولكم وأسهرنا ليلك، فلو تركتموني أنام لكان خيرا لكم أما قولكم آذينا الصعاليك فهذا من افترائكم ويل لكم من شر اقترب ثم خرج من دار بلوط ينشد
سَنُفزِعُ بَعدَ اليَأسِ مَن لا يَخافُنا
كَواسِعُ في أُخرى السَوامَ المُنَفَّرِ
يُطاعِنُ عَنها أَوَّلَ القَومِ بِالقَنا
وَبيضٍ خِفافٍ ذاتِ لَونٍ مُشَهَّرِ
فَيَوماً عَلى نَجدٍ وَغاراتِ أَهلِها
وَيَوماً بِأَرضٍ ذاتِ شَتٍّ وَعَرعَرِ

الفصل الثالث: حِلْف

وردنا أن بلوط بن مقنع اجتمع بحاشيته من المعاصرين يتحادثون في أمر رعد وسبيل كف شره عنهم فقال قائل منهم: لم ينفع مع الرعد الشتم ولا الهزل ولا طاقة لنا على الطعن فما عسانا نفعل؟
فقال بلوط: أتعلمون ما أفضل طريقة لهزيمة عدو؟ أن تجعله حليفًا أتوني برعد ولأغرقنه بما يشتهي من مال ونساء لعل قلبه يضعف ويميل لنا فلكل قلب فجوة ولكل جواد كبوة.
فقال المعاصرون بصوت واحد سمعًا وطاعة وذهب كل رهط في طريق ليبحثوا عن رعد

الفصل الرابع: شَجَن

مما يروى من قصص الصعاليك أن رعدًا دخل مرة على بلوط بن مقنع في داره وقال له بصوت كأنما هو زئير الأسود: سمعت أنك بعثت في طلبي فما حاجتك بي؟
فأشار بلوط باصبعه إلى صندوق محشو بالذهب والجواهر حتى لم يكد يُغلق وقال له: إن مِلت لنا فهذا الصندوق لك ومثله الضعفان والثلاثة
فتمعر وجه رعد وبدى من سحابه رعد وركل الصندوق بكل ما أوتي من قوة وقال
أنا رعد المغدق الشامي وزير الصعاليك وخطيبهم لو جئتني بكل أموال الدنيا ما تراجعت عن خطأ واحد من أخطاء المعاصرين وتريدني أنا أغفر طوامهم كلها ثمن هذا الصندوق اعلم أن الصعاليك لا يشترون بالمال خلاف المعاصرين الغارقين في مستنقع الرأسمالية وخرج وهو ينشد
نَحنُ الكِرامُ فَلا حَيّ يُعادِلُنا
مِنّا المُلوكُ وَفينا تُنصَبُ البِيَعُ
وَكَم قَسَرنا مِنَ الأَحياءِ كُلِّهِم
عِندَ النِهابِ وَفضلُ العِزِ يُتَّبَعُ
وَنَحنُ يُطعَمُ عِندَ القَحطِ مَطعَمُنا
مِنَ الشِواءِ إِذا لَم يُونسِ القَزَعُ
بِما تَرى الناسُ تَأتِينا سُراتُهُمُ
مِن كُلِ أَرضٍ هَويّاً ثُمَ تَصطَنِعُ
فَنَنحَرُ الكوم عَبطاً في أَرومَتِنا
لِلنازِلينَ إِذا ما أُنزِلوا شَبِعوا
فَلا تَرانا إِل حَيٍّ نُفاخِرُهُم
إِلّا اِستَفادوا فَكانوا الرَأسَ يُقتَطَعُ
فَمَن يُفاخِرُنا في ذاكَ نَعرِفُهُ
فَيُرجِعَ القَومَ وَالأَخبارُ تُستَمَعُ
إِنّا أَبَينا وَلَم يَأبى لَنا أَحَدٌ
إِنّا كَذَلِكَ عِندَ الفَخرِ نَرتَفِعُ
تِلكَ المَكارِمُ حُزناها مُقارَعَةً
إِذا الكِرامُ عَلى أَمثالِها اِقتَرَعوا

الفصل الخامس: حفلة

يحكى أن الصعاليك اجتمعوا في دار قصية في مجلس بلا سمج نفس، مُحتفلين بتحرير دمشق وجلبوا ما لذ وطاب من أكل وشراب، وأعدوا القُدور وأشعلوا النيران، وكلٌ في شأن إلا رعدًا المحتار، ينظر يمينَ شمال، ويعيد النظر مرات وكرات، كأنه يبحث عن ضالة أضاعها أو غرضٍ فقده، ولمّا يئس صاح: أين الخمور يا مفسدي السرور؟
فقال له دوليث: المعصية بعد النعمة أشد من المعصية قبلها، فهاك اشرب عصيرًا وانطمر.
فشرب شربة وتفل بعدها عشرًا وقال: ألا لعنة الله ما هذا الذي شربته، ويلُمِّك.
فقال له: جُعِلتُ فداك، إنه عُصير مع كلُركس على كيف كيفك ينسيك الخمر وسيرته.
فغضب رعد وبدا من سحابه برق ورمى الوعاء على دوليث ونهض لينقض عليه فلو أمسكه ما ترك فيه عظمًا سليمًا، لكن دوليث نادى على حصان بلوط وهرب وأُجْبِرَ البقية على تحمل غضب رعد وتهدئته، ولا احتفال ولا احتفالات وهذه عادة الصعاليك.

فصل جانبي: الدجال