وَلَكِنَّ صُعلوكاً صَفيحَةُ وَجهِهِ
كَضَوءِ شِهابِ القابِسِ المُتَنَوِّرِ

لا رأيين في الحق ولا لسانيين في العربية

 بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
ملاحظة: نُشر هذا المقال في العدد الثاني من مجلة الصعاليك
الحمدلله الذي وهبنا عقلا نُعمله لنُبصر به نفوسنا ونعرف به حالنا ونزن به أقوالنا فنُقوِّم ما فسد، ونهذب ما انحرف.

أما بعد:

فإن الناظر في أمر أكثر الخلق يجد أنهم متى ما اختلفوا في أمر خادعوا أنفسهم واحتجوا بحجة اختلاف الآراء فجعلوا الحق والباطل سواء وكلها أراء لا تُفسد الود لا لخفاء الحق عنهم بل اتباعًا لهواهم فلم يزل الحق أبلج والباطل لجلج، ولمّا رأينا هذا فاشيًا أردنا أن ندحض حجتهم الواهية هذه لعلهم يرتدعوا ويَكفوا عن غيهم هذا.

اعلم -رعاك الله- أن هذا الاختلاف المزعوم لا يخرج من ثلاث: إما أن كلا المُختلفين مصيبان أو أن كلاهما مُخطئان أو أن فيهما مُصيب ومُخطئ.

فأما القول أن كلاهما مصيبان فواضح البطلان إذ أنه لو كان هذا هو الأمر لما اختلفا من الأول ثم إنك لو قلت أن كلاهما مصيبان فأنت بهذا جمعت بين النقيضين ولا يختلف عاقل في أن هذا مُحال، وأما القول بأن كلاهما مُخطئان فهو كذلك بين البطلان فأنت بهذا ساويت بين من استدل بالبراهين النقلية والعقلية وفصل في المسألة وذكرها لك على حقيقتها وبين من اتبع هواه فنخلص بهذا أنه لا بد من مُخطئ ومُصيب.

ولنقس هذا على مسألة العرنجية التي شغلت عددًا غير قليل من الناس فتناقشوا فيها سنة، منهم من رأى أن الحاصل إفساد للسان العربي وتصييره لسانًا أعجميًا ومنهم من رأى أنه ليس بالأمر الجلل فاللغة تتطور لتَقضي مصالح هذا العصر، والناظر في حال هاتين الفئتين يرى بون شاسعًا بينهما فالأولى نظرت في كلام العرب الأوائل وكتبهم ثم نظرت في كلام أهل العصر فوجدت أن هذا مِسخ وفرنجة وليس تطورًا فالتطور غرضه التحسين وهذا هدمٌ في بناء العربية أما الثانية فلم تقل هذا المقال إلا لتشرب هواها بالعُجمة وتعودها عليها ولو تمعن في الأمر وعرفت حق المعرفة ما قالت هكذا مقال.

ثُم قد يقول قائل: "كيف يُقال إن اختلاف الآراء باطل؟ أليس في الاختلاف سَعة؟ أليس كلٌّ يرى بعينه؟ فإنكار التعددية ضرب من التعصب والجمود!"

فأقول: إن الاختلاف الذي يُعذر فيه الناس هو اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد فمن الاختلاف ماهو حاصل بسبب طبع المرء ومعيشته وما إلى ذلك وفي هذا الاختلاف سَعة ومنه ما هو الحق الذي لا مراء فيه ولا ينكره إلا مُتبع لهواه.

وقد يقول آخر: "ما دام كل أحد يستدل بدليل، فلكلٍّ سبيل، وكلٌّ على هدى".

فأقول: ليس كل من استدل فهو مُحق، فقد يستدل بالضعيف لأنه جاء موافقًا والحق لا يكون إلا مجردًا من الهوى.

والأقوال تتعدد ولو شئت لأفضت ورددت عليهم جميعًا لكن في هذا مقتٌ وإضاعة وقت فحسبك هذا لتتيقن أن شمس الحق لا يحجبها حجاب الباطل.

والسلام.