وَلَكِنَّ صُعلوكاً صَفيحَةُ وَجهِهِ
كَضَوءِ شِهابِ القابِسِ المُتَنَوِّرِ

مذكرات طرطبيس

هذا ما كان في مذكرة طرطبيس لما فتحنا بيته:
الثاني والثلاثون من شهر وَعِل، سنة ١٦٣٤
رأيت إيليا في شاذكلى متكئا عند باب ليلى، فمشيتُ حتى صرتُ إليه وسلمت وإذا به يدندن:
ألم تنه نفسك عَمّا بِها
بَلى عادَها بَعضُ أَطرابها
لِجارَتِنا إِذ رَأَت لِمَّتي
تَقولُ لكَ الوَيلُ أَنّى بِها
ولم يسمعني فوقفت إلى أن قال:
فَلَمّا اِلتَقَينا عَلى بابِها
وَمَدَّت إِلَيَّ بِأَسبابِها
بَذَلنا لَها حُكمَها عِندَنا
وَجادَت بِحُكمي لِأُلهى بِها
فَطَوراً تَكونُ مِهاداً لَنا
وَطَوراً أَكونُ فَيُعلى بِها
قلتُ له: ويلك! ماذا تصنع؟!
فنظر بطرف عينه كأنهُ أعشى وقال:أنام.
ثم قال: كأنك كوام الإبل، قلتُ: لا! فقال: ألا أنصحك؟
فقلت: ومن أنت؟!

فأُرهِقَ من كلامي وجلس بعد سدحتِهِ مستقيما كالسيف وقال: أنا قمر الدياجي، أنا نهر العراق الثالث، أنا نيل مصر، أهرامات السودان، أنا كولوسيوم إيطاليا، أنا جوهر الشعر، أنا حافظ معلقة امرؤ القيس، أنا شارب النجيع أنا المِحرَب، أنا العجيب في عيون العجائب، أنا الذي إذا رام حاجةً وقعت العوالي دونها والقواضِبُ، أنا صاحب التاج فوق جبل قاف، أنا...
فقاطعته أمُطُ حرف الألف ليسكت وقلت: يا عمي خلصنا! لقد وجعت رأسي!
فاحمرت عيناه وضرب بيديه على فخذيه وأشار لي وتابع: اصرخ فوالله لا أمرأ ولا أشهى إليَّ من بُكائك، ولا أطرَبُ إلا على صُراخِك، وما أنت لي إلا نَعجَةٌ خارت لسيخٍ دخَلَ فيها وناحت، وإني ليعجبُني عويلك وألتذ به، وهيهات أين الحصا من نجوم السماء، ما كان لإيليا أن يكافِئَهُ نعل، وما صارت هذه في القرون الأولى ولا أتت، والله لا تكون...
فضجرت من المشادة معه وطلبت نصحَهُ أخيرا فأطرق دقيقةً ثم قال:
(لا أجدُ للمرء أفضل من التواضع)
ثم انسدح وهشني برجلِهِ ومشيت.