وَلَكِنَّ صُعلوكاً صَفيحَةُ وَجهِهِ
كَضَوءِ شِهابِ القابِسِ المُتَنَوِّرِ

مفاخرة الويندوز واللينكس

مفاخرة الوندز واللنكس
مفاخرة توزيعات لنكس
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله الذي رزقنا عقلاً لنُعمله ومَلَكَاتٍ لنشحذها وجعلنا خلفاءً في هذه الأرض والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين

أما بعد: فإن من أعجب أقاصيص ذا الزمان التي أردنا استجلابها في هذا الكتاب: مفاخرة «لِنِكْسَ والوندز»، وقد نسجناها كما كانت مفاخرة الصيف للشتاء، والغنم للبقر، والماء للهواء، فَجَلَّتْ حديثًا مُظَرَّفًا يُخَفِّفُ عن المهموم وينتفضُ له العصفور، ولا يَعْدَمُ الفائدة.

ثم إنه في نادٍ من نوادي التقانة لا تسمع فيه إلا الحديث عن الآلة تخاصم خصمان في أمر الوندز واللِنِكْسَ، فالأول استلبت الأداة من عقله جزءًا وزجته في سفاسفها، وأما فالثاني يُسَخِّرُ الآلة ولا تُسَخِّرُه، وهيهات العاجز من الحازم.

قال الأول صاحب الوندز: إن الوندز هو ما تعوده الناس استعمالًا وقد تعلمه صغيرهم وكبيرهم، وما تنتفع به المتاجر والمصانع والشِّرْكات ومشاريع البلاد، فأيٌّ أنتَ لتقومَ لذمِّه؟ وتزجرَ الخلق في استعماله؟
وقد قال الشاعر:

لو سارَ ألفُ مُدَجَّجٍ في حاجةٍ
لم يقضِها إلّا الذي يترفق
وقد قيل: الزم ما ألفت ودع ما أنكرت.

فأجابه صاحب لِنِكْس: ضللت الصواب، فليس كلُّ ما مألوفٍ للإنس طيّب، وما كل مغمور رذيل، والناس تقتضي الوندز عن جهل وعادة غثة لا بعِلْمٍ ومعرفة، ولو أنهم انتهوا عن كسلهم ذاك وتعلموا وتعرفوا على ما وراءَهُ من معايب لما عاودوه بعدُ مرة.

ثم وليست الكثرة قياسًا فالجهل فاش في الناس والكثرة مذمومة في سائر الأحوال قال الشاعر:

تُعَيِّرُنا أَنّا قَليلٌ عَديدُنا
فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليلُ
وَما قَلَّ مَن كانَت بَقاياهُ مِثلَنا
شَبابٌ تَسامى لِلعُلى وَكُهولُ
وَما ضَرَّنا أَنّا قَليلٌ وَجارُنا
عَزيزٌ وَجارُ الأَكثَرينَ ذَليلُ
لَنا جَبَلٌ يَحتَلُّهُ مَن نُجيرُهُ
مَنيعٌ يَرُدُّ الطَرفَ وَهُوَ كَليلُ

وصفوة القوم هم من يتخيَّرون للعامة من أمرها أزلًا.... وما العامي إلا متبع.

قال صاحب الوندز: وبماذا يزيد على وندزَ إلا بالصعوبة؟ إن عليك مداراة حال الناس واختلافهم، فليس كلهم عالمًا بالحاسب وفضوله وأكثرهم عوام على قولك، ولقد قيل: «خاطبوا الناس على قدر عقولهم».

قال صاحب لِنِكْسَ: كلامك أبان وهمك ونقص معرفتك فلِنِكْسَ ليس الشاشة السوداء التي تحسبها، بل هو على صور وافرة وهو ما به يصح قولك بمخاطبة الناس على قدر عقولها فمن صوره السهل ومنه الصعب وكلٌ تقدر أن تتعلمه غير أنك مكسال لا تريد التعلم وقد قال الإمام الشافعي: ومـن لم يذق ذل التعـلم ســاعــة تجرع ذل الجهل طول حياته.

وأنت بهذا حُجبت عن لِنِكْسَ وكُبلت بويندوز ومسجنه، ومُنعت حرية لِنِكْسَ.

قال صاحب ويندوز: أي حرية تحكيها وأي سجن هذا؟ بل أنا حر أستخدم ما يستخدمه غيري من الناس وألعب ألعابي والحمد لله الذي أبعدني عن تنطعكم وتكلفكم فلا أستخدم برامج عجيبة لم أعهدها، وولست كمن يتكلف الحَلق بالموسى ولا يُحسِن فيُفسِد عمله ويعقِر صاحبه ولو كنت تعني معلوماتي فأنا لا أبالي بها فماذا سيفعلون بها؟ إنما يجمعونها ليهذبوا نظامهم.

قال صاحب لِنِكْسَ: إنك لا تبصر قيدك فتحسب أنك حر والحمدلله الذي خلصنا من قيد وندز وأنعم علينا بلِنِكْسَ الحر مفتوح المصدر ليله كنهار وليس كمثل الوندز الخبيث الذي لا أرى له شبيهًا إلى الخمرُ المنقوع فيها السم المميت، ثم إنك لو نهضت بالعبأ ونظرت في بدائل برامجك وسبل تشغيل ألعابك الواهية لكان خيرًا من أن تجعل معلوماتك تُباع وتُشترى في الأسواق وكل شركة تعلم عنك ما أرادت وتريك عروضًا لبضائع لا حاجة لك بها

قال صاحب ويندوز: لست إلا متحذلقًا متفيهقًا لا تورد لنا إلا ما لا نهتم لأمره فما هذه المعلومات التي تتحدث عنها كأنك خبأت سر الملك إنما هي شؤون يسيرة مثل أني أحب القهوة بالحليب وأقرأ رويات الخيال المُمنطق ، وذكر مؤسس شركة مايكرُسفت صاحبة ويندوز أن أمر الستر لم يكن في البال وسننظر فيه وقال: أن جل ابتكارات القرن لازمتها مشاكلٌ سلامة وجب إصلاحها فالسيارات أحدثت حوادثًا والكهرباء صعقت الكثير فليس من هذا مناص

قال صاحب لنكس: هذه الأوصاف التي عندكَ ما تعدلُ شروى نقير، وإنك لتكذب فيها أمام نفسك، فلسنا متفيقهين ولا متحذلقين وقد جربنا الأمر جميعًا وزدنا، وإن تكلمنا تكلمنا بعلم ولا نهرف فيما لا نعرف ولا أرى نفعًا في الاستمرار معك فسأفصل لك القضية وأنت حر بعدها، لا ريب أن بناءً لِنِكْسَ أفضل من ويندوز فأساسه متين ونواته خيرٌ من نواة نت التي عفى عليها الزمن ويُعمر تعميرًا سليمًا خلاف ويندوز الذي يراكم الأغراض فوق بعضها ولطالمًا وجدوا سبيلا للوصول للأشياء القديمة، ثُمَّ لنكسُ مُهَيَّءٌ ليستمدَّ عتادَك فيؤديكَ أحسن أداء غرارَ ذاك الذي يستنزف عتادك وكلما حسّنته يسألك الزيادة،ولِنِكْسَ حر مفتوح المصدر لا تستأثر به شركة واحدة فتدفعك ثمنه وتسلبك معلوماتك وتتاجر بها وتقول لك إنها لا تفعل خدعًا وكلنا عالمون بأنها تفعل، كما أن أمانه أعلى من ويندوز وقلما تجد فيه خبيثًا، ويُمَكِّنُك فيهِ من تصوير وتنسيق كل شيء حواه من مدخله إلى وجهه إلى القوائم وهلم جرًّا وهو ليس بعَسِيرٍ كما يحسبه كثير إنما بالتعلم، ويختص باختلاف الوجوه ولك أن تختار ما تميل له من الأوجه ومنها ما يشبه الوندز وما يشبه الماك ومالا يشبههما، وإنه لَكَ أن تبقى تتعلم فيه وتعلو إلى مراتب لا تبلغها في وندز ما حييت، فلا يحجزنك أنه خلاف عادتك ذلك لا يعيبه، وبرامج وندز جلها مغلقة وهي لها فانظر البديل عنها من البرامج المفتوحة وتجد إن شاء الله والسلام.

وفي اليوم الثاني تفاخر قوم لنكس متأثرين بالتفاخر الأمسي، وكانوا ستة نفر: صاحب السهام، وصاحب الدبِيان، وصاحب فيدورا، وصاحب الأُبِنتو، وصاحب مانجارو، وصاحب الكالي.

قال صاحب السهام: أما سهام لِنِكس ففخر لكل سهّام، أفلا تراه يتغنى في كل مكان أن عنده السهام، مُنقطع النظير، طريق من أراد التفرد وسعى لمَصافي الصفوة، تعيبون عليه الصعوبة وهذا لا يعيبه فلا بد له من حازم يبتغي الرفعة في علم الحاسب وينال الحرية الحقة، وليس لكل من هب ودبّ، ومبدأنا البساطة لا اليُسر؛ وبينهما فرق لا يعرفه إلا فطين، عندنا كل جديد، ومستودع السهّامين أُر فيه من البرامج ما لن تجده عن غيرنا من ركن للقرار وفضله على السعي الدائم للتجديد.

فقال صاحب الدِبيان: "يا متكلفًا يا متعالي! إنك وإن كان سهمك يُصيب، فلا تعرف الرفق بالصغير، إن سألك: سخرت منه وقلت: ابحث عنه بنفسك، جعلت الحاسب لك ولرهطك فأنبت فيهم الكبر والغرور، أما أنا فالتاج الذي تتوارثه الأجيال، والمنارة التي يستنير بها البحّار، وليس في قراري عيب بل هو عين التأني، فلا أجدد حتى أتأكد من السلامة فلا أنال الحسرة والندامة، لذا استند عليّ أهل الورع والحكمة، فلا تغرنك شدتك، فالشدة في موضع اللين ضعف"

فلما سمع صاحب فِدورا قولهما ضحك منهم وقال: أنتما مُفَرِطُ ومُفْرِط. أما أنا، فجمعتُ بين محاسنكم فلا أتهور وأتجرأ على كل جديد ولا أتأخر وأبقى في القديم، أخُيرك عند التثبيت لكن أسمح لك بالتعديل عليها بعد حين، ومُحزمي دنف يجمع بين أَبت دِبيان وباكمان السّهام.

فقال فيهم صاحب أُبُنتو: رويدكم، رويدكم! أنتم إما مُتهور أو كسول أو متقلب مزاج وكلكم أناني لا يفكر في غير نفسه، لذا غفلتكم عن أمر فعامة الناس فعامة الناس لا يريدون أن يضيعوا في التجريب، ولا يسعون للعلو في صنعة الحاسب، لا يُفكرون بل يُقلدون وهذا ما جعلهم يتجنبونكم فأنتم تعقدونها عليهم، أما أنا فأُيسرها عليهم، فلا أعقد الأمور، ولا أُرهق العقول، فكنت خير بداية لمن كان في ضلاله القديم من أهل الوندز الخبيث، وبُبنيت علي توزيعات شتى كلها تتسم بالبساطة مثل كبُنتو واكسبُنتو ونعناعة لنكس وغيرها.

فقال له صاحب مانجارو:إنك تدلّل جماعتك فتفسدهم، ومن تعوّد على الراحة معك، خارت قواه إذا فارقكِ. أما أنا فوسطٌ بين الشدة واللين، لا أُتعب مريديَّ كما تفعل السهام، ولا أتركهم يغطّون في السهولة كما تفعل فمن تبعني وحمل رايتي وازن بين الأمرين.

فلما أدلى كل بدلوه وقال كل قائل قوله صرخ فيهم صاحب الكالي: اغربوا عن وجهي فلا أحدٌ منكن أهل للمُفاخرة. فما أنتم إلا ملعبة للصبيان وأنا لست للهو، ولا يُلجأ إليّ إلا في الأمور العظام. أنا سيف المُخترق، درع المُحترف لا يأويني إلا من رام كشف المستور، وسبرَ أغوار الخفايا، من أراد أن يعرف، لا من أراد أن يلعب. أما عامة الناس، فلا أريدهم ولا يريدونني ولا حاجة لي بهم.

فارتفعت الأصواتُ، وعلا الجدلُ، وماجَ المجلسُ، حتى دخل عليهم شيخٌ ورآهم على هذه الحال فخطب فيهم: كفى جدلاً فلكل بضاعة مشترون، ولكل عمل رجال، وكلكم عنده حجة ودليل، فتكافؤ الأدلة يفصل بينكم، فمن رام القوة فالسهم سلاحه، ومن رام القرار فعنده دِبيان، ومن رام التجديد فليُقبل على فيدورا، ومن ابتغى السهولة، فليكن في ظلال أُبُنتو، ومن أراد الجمع بين اللين والشدة، فمانجارو داره، ومن سلك دروب الأمن، فليلتحق بكالي. والناس فيما يحبون مذاهب، فدعوا لهم الاختيار.

فكلٌ سكت ورضي بجواب الشيخ وانتهى الخصام على خير.