وَلَكِنَّ صُعلوكاً صَفيحَةُ وَجهِهِ
كَضَوءِ شِهابِ القابِسِ المُتَنَوِّرِ

نعل ابن الأخت

وقيل إن خرعوب مر يوماً بعُلابط يسألُهُ عن طرطبيس فقال: وماكان من خبرِهِ يا عُلابط؟ قال عُلابط: كُنتُ يوماً أتصيف في الصحراء معه، فدنا منا غُرابٌ كأنه قِطعَةُ ليل، فتلفت ونعق وخبط بجناحِهِ مُطيراً علينا ورقة صفراء لونها أصفى من العسل، وعليها كلامٌ بحبرٍ من زمرد… فما إن مسكها طرطبيس وقرأها حتى طارت عيناه، وزعق زعقَةً أرجفت ذئباً كان يتربص فخر صريعاً ! ثم اعتلى فرسَهُ فصار يطأ الليل والنهار، لا يستريح ولا يأكل، حتى وصل لبيت ابن عمه. ولما لاقاه قال: يابن عم، كنتُ أعطيتك أمانَةً خزنتها عندك، والآن أخشى تواك فهاتها… وكان ابن عمه مريضاً قد أُصيبَ بإسهالٍ متفجر، فلما سمع ذكر الأمانَةِ خرا، فأتت الجواري يُنظِفنَه، فلما نظفوه وأسندوه قال: اسمعني يا طرطبيس، أمانتك مسروقة في الحالتين، فهلا تركتها عندي لأن لا قِبلَ لك بصرفها. فغضب طرطبيس واهتز حُنقاً وقال: لا والله! ما سرقتُ تاج إيليا لأدعه…

فقال ابن عمه: أطعني وخذ الوزر واسكت، فرد طرطبيس: بل لي المال وعليك الوزر، أنت من حرضتني! فخرا ابن عمه ثانية، فما كان من طرطبيس إلا أن ضجر فطعنه بخنجر، ففزعت جارية قريبة فطعنها وهب يخرج، ولما خرج أبصر ابن الجيران فطعنَهُ وسرق نعليه وسار… وفي مسيرهِ مرَّ على غارٍ منه رائحة الشواء، فدخله يطلب الطعام، وما إن وطأت رجلهُ المدخل حتى ظهر له شخصُ كائن، عيناه كالجمر، مشوه، كريه المنظر، جسمُهُ جسم خنزير ورأسُهُ رأس قرد، عيناه مشقوقتان طولاً، وكلتا يديه خطاف وسكين، ففزع طرطبيس وقال: من أنت!

فرد عليه بصوت كالصاعقة، مسمعه يَزِنُّ السمع زنَّا: أنا أول من ناح، وأول من تغنى، وأول من حدى، فمن أنت؟ فأجاب عليه: أنا طرطبيس بن المُشَدَّخْ. فقال الكائن: وما هذا في جلبابك ويبَ أُمِك؟ قال: نعلٌ سرقته. فرد عليه: ولم سرقته؟ فأجاب طرطبيس: لا أعلم. فضحك الكائن ضحكا كالنواح وقال:تلك غريزَةُ الصعاليك، ادخل يا أرعن! فدخل طرطبيس الغار، وكان كلما اقترب اشتدت رائحة الشواء يُخالِطُها الدم، فلما وصل إلى نهايته ما رأى إلا ناراً تضمحل، فجلس عندها ثم ظهرت رؤوس سبعة حميرٍ تطير بلا جسد، أحدها كان في فيهِ رأسُ ابن عمه فتعوذ طرطبيس وطفق يركُضُ كالمجنون إلى المدخل… فلما خرج تعثر فسقط وأكل التراب، ثم نهض يرى ماكان وكيف سيكون، فأبصر رجُلاً عند نارٍ يُدندن: لَنا بِالرَدى مَوعِدٌ صادِقٌ وَنَيلِ المُنى واعِدٌ كاذِبُ فقال له: من أنت؟ فرد الرجل: صاحبُ الكأس. فرد عليه: أي كأس؟ فقال الرجل: وماذا عليك يا ملعون؟ ثم دندن: غَدَت تَشتَكيكَ كُؤوسُ المُدامِ وَيُثني عَلَيكَ القَنا وَالقُضُب وَكُنّا نُصانِعُ فيكَ الهُمومَ فَصِرنا نُصانِعُ فيكَ الطَرَب إِذا ما الفَتى وَصَلَ الزائِرينَ أَثنَوا عَلَيهِ نَأى أَو قَرُب ثم أخرج سكينا تتلوى كالأفعَةِ لا تستقر. فقال طرطبيس: لماذا هي ذائبة؟ فرد الرجل: لم يعجبها وجهك. فقال طرطبيس: وما أنت فاعل بهذه؟ فقال: أقتلك لسرقَتِكَ نعل ابن أختي. فأراد الهرب فمنَعَهُ صِلٌ كان عن يمينه، فالتفت إلى يساره فرأى عجوزاً حيزبونة، فقال: امشي يا دردبيس! فردت: لا أمشي! فتعجب طرطبيس وقال: ولم؟! فضحكت العجوز وشخرت، وأخرجت من دِرعها أرنباً وسكيناً صدِئة فنحرته، فسال دمه على رجلها فقفزت وقفز الصل على إست طرطبيس ولدغها، فصرخ طرطبيس: أمي! أمي! فصكتهُ العجوز وقالت ما تريد¿ فقال: ماهذا؟ فردت الأفعى: كانت غدرة، أين التاج؟ فقال طرطبيس: لا أفهم. فقالت العجوز: أمرنا أن نرجع التاج فحزن طرطبيس وتأوه وقال سرقه ابن عمي مني، فقالت العجوز: ويك! أما اطلعت على مثبتة إيليا وقرأت: “فأنا دافعت العيان، وكابرت الإنس والجان، فكنت لكل جبار إمام” ؟ ها نحن الإنس والجان، وأنا أمك، وذاك جبار الأرض، وأشارت إلى الأفعى وقالت تلك سيدة الأفاعي شُجاعة… ثم إن أم طرطبيس سلخت جلده وعلقته على صخرة يتخطَفُهُ الطير. وقيل إن شجاعة قطعت أذنه لتتقرب بها لملكٍ من ملوك الجن، أما ذاك الرجل فلا يُعلم من هو، لكن بعضهم قال أنه أخذ نعل ابن أخته ومشى به…

وضجر خرعوب فقال: ما هذا الهراء! فصاح به علابط: أكلامي هراء! وقذفهُ بنعل ابن أخته.