وَلَكِنَّ صُعلوكاً صَفيحَةُ وَجهِهِ
كَضَوءِ شِهابِ القابِسِ المُتَنَوِّرِ

نفي المعابة عن العرب الأولين

 بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
لا ذنب للعرب القدماء بتقصيرنا في لسانهم، كانوا رعاة العربية يوم كانوا لا يتركون لها خللًا مُتَرَدّمًا ينقص كمالها، وكانوا يقومون على كل لازمةٍ لا يعيقون بها عملهم بها، وذلك ضروب متشعبة تنفصل على أسس ما يقوم عليه كل لسان أمة، فمن أهم أركانه اللفظ، والأسلوب.
أما اللفظ: كانوا إذا وجدوا شيئًا جديدًا سموه بسهولةٍ لاقتدار لغتهم واقتدارهم عليها، محسنينَ وصفَهُ مبدعينَ في معناه محكمينَ له، ولا تكون عندهم بلادةٌ أو نقصٌ في التسمية، وهذا مفقود عندنا حتى في المجامع، إذ لا تحسن ولو ربعَهُ، ولا يعرفه من لا يعلمه، وجَرَّاهُ طَعَنَ الطاعنون في العربية بالقصور عن جهلٍ منهم، وعمن يحاولون دفع جهلهم من المسيئين الذين لم يخدموا العربية حق خدمتها، ولو سَرَّكَ أن تطَّلع على أَسَى الحال أشير إليك بمنظومة إبراهيم بن حافظ هذه:

كيف ركن اللفظ عند العرب القدماء كاملٌ وعندنا ناقص

إن العربي القديم كان يفتح مصراعيه على كل العربية، في أوزانها وألفاظها وكلماتها ولا يمنع نفسه شيئًا ولا يكرهه، وقيل فيه: إنه معجم سائر، واللفظ في العربية -كما لا يخفى- متقلبٌ كثيرُ التصرف، ومعانيه العددُ العديد تأتي الصفحاتِ الكبيرة مدَدًا وتملأها، فالعربية أوسع الألسنة مذاهبًا مع قدرتها على التصريف والاشتقاق، والعرب عندها مناهجُ كثيرة وسبلٌ لنعت الشيء: كالمجاز والتشبيه والتقريب والنحت والاقتباس، ولدى العربي القديم قريحةٌ قويةٌ وفصاحة، وسجيةٌ لينة، وذوقٌ يعصمه من الزلل إلى وحلِ المعاني الأعجمية الغريبة على طباع العرب، فهذا عاميهم، فكيف عامينا؟ قد أقسم لك بالله أن عوامنا يكاد لا يعرف أحدٌ منهم معنى الأطلال، ولا حال خواصنا بخير منهم بل هم شر؛ إذ يضيقون على أنفسهم العربية في أعظم أركانها وأسمن دعائمها: أماتوا الألفاظ وأوزانها ومعانيها واقتصروا على البخس منها الذي لا يغني شيئًا وقتلوا سعة العربية وقدرتها، وإذا أحدٌ حاول أن ينتهل من لفظ القدماء وكَلِمِهم، علّقوه بالتحذلق وأنه يتشدق والتغريب، فمن أين لك أن تجاري الأمم في تنسيق الأسماء للعلوم والاصطلاح ووعاؤك ضيق؟ وأي عربيةٍ هذه التي تكلمنا عن سموها ولا تعمل بها؟

إحسان العوام وإساءتهم

في الناس -لمن بصر ولم يغب- بقيةٌ من كلام العرب وذوقهم في البيان، ولا أعرف برجلٍ ينكرُ شَبَهَ العاميات من الفصحى ويدعي مجانسةَ اللغة المعاصرة لكلام العرب إلا أنه مغشي، فلدنوِّ قَدَمِ العامة من حديث أسلافهم اخترعوا ألفاظًا احتاجوها لأغراضٍ صدفت عصرهم، أجادوها وفضلت على أشباهٍ أرادتها المجامع، كقولهم: “طَيَّارَة” على وزن مبالغة لتَصَعُّدِها في السماء وعَظِمِها وطول قطعِها، وتسميها المجامع “طائرة”، فلو رأوا من يقول “طيارة” في كتاب وغيره، لاستهجنوها كعادتهم مع ما يقوله العامة بغير وجه حق، وكقول المغربيين “مِصْدَاح” يريدون به المكرفون، والصَّدْح في اللسان: “صَدَحَ الرجلُ يَصْدَحُ صَدْحاً وصُداحاً، وهو صَدَّاحٌ وصَدُوحٌ وصَيْدَحٌ: رفع صوته بغناءٍ أَو غيره” وهو عمله، أما المجامع تسميه لاقطًا للَقْطِهِ الصوت، وهي تسميةٌ سمجةٌ غثة.

ما تشتقه العامة لتعبيرِ الكلام وتولِّدُه

قََلَّ أن تجد للغة المعاصرة ألفاظًا مولودة؛ فما هي كالفصحى ولا عندها آلاتها ولا أهلها لتفعل ذلك، وقد استعجمت طباع المُجرِين كلامهم بها؛ فما زادوا لغتنا -أعني أصحاب المجامع- سوى الكلمات الرديئة باستساغتهم الهجنة نحو: شخصية وتفاعلية وإمكانية وهوية وثقافة ودِمُقْراطية وتنمية وميتافيزيقيا وأنطلوجية ومثالية وغيرها، وإنَّ العامةَ ما زال لديها اشتقاقٌ وتوليدٌ لأنهم عربٌ كما ذكرت، فما زالوا يتكلمون ولوازمهم لتفسير المعاني جاريةٌ إلى امتداد كلامهم وهي كثيرة، نحو قول أهل الشام: نفذنا من النفوذ، اشتقوها للنجاة من المأزق المُلِمّ، شبهَ قوله تعالى
﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾
ويقول المصريون: خَضَّنِي كنايةً عن المفاجأة، والعرب عندها اهتزاز النفس والجسد والطرب، كل هذا حين تحل الكوارث والمصائب فتبعث النفس وتحركها، وقول الشاميين أيضًا: هذا ليس ثوبنا، أي ليس ما نكون عليه من حال وصفة كأنه معنى الهوية الغربي، والعرب تكني بالثوب عن النفس والقلب وتعلق الصفات بهِ يقال: ثوبُ صدقٍ وثوبُ غدرٍ وثوبُ نعيمٍ وثوبُ صبر، فهو من ذاك، وبعد هذا كله إنما منع العامة من استيفاء وإيعاب معاني العصر ملابستهم الألفاظ الهجينة والأعجمية، وضعف عاميتهم وقرائحهم، وأنه ليس علماءٌ يعينونهم.

إن اتهامك العربية بالقصور بمجاراة العلوم إنما هو قصورك فيها، ثم هو جهلٌ ولست مع هذا الجهل مُجازًا لتحتم عليها بهذا القول وإن كنت خبيرًا بهذه العلوم المُنْفَكَّة عنها.
أما الأسلوب: فهو التصاريفُ التي يجري الكلام بها ويتشكل عليها فلا يستوي -وهذا مثلٌ جلي- من قال:
أَبُدِّلَ اللَّيلُ لَا تَسْرَي كَوَاكِبُهُ
أَم طَالَ حَتَّى حَسِبتُ النَّجمَ حَيرَانَا
بمن قال: هل تم تبديل الليل وتوقفت نجومه عن الحركة، أم أن الأمر استغرق وقتًا طويلًا حتى ظننت أن النجم مرتبك؟
فالأول أسلوبٌ عربي والثاني أسلوب أعجمي والمعنى واحد، كذلك في هذا العصر نشأت معانٍ في الأقوام معاصرةٌ تحتاج إلى أساليب تحويها بإيجازٍ من غير إخلالٍ بأذواقهم ولا مخالفةٍ لأمزجتهم في القول، وهذا كان عندنا العرب فتصرفت فيها اللهجات، ومن حلو ذلك ما قالوا: “الحال من بعضه” يقابل قول العجم “We are in the same situation”، وقد كان عند العرب ما يشبهه ولكن العامة ابتدعت أسلوبًا بحلةٍ مستجدةٍ ذات معنى خاص، وشاهد جوازه قول طرفة:
أَبَا مُنْذِرٍ أَفْنَيتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنَا
حَنَانِيكَ بَعْضُ الشَّرِّ أَهْونُ مِنْ بَعْضِ
جعل الشر أبعاضًا, وهذا جعل حالَهُ حالَ أخيه فهو بعضه، وكذا قولهم: أسوأ من بعضه، ونحوه قولهم: “مثلي مثلك” وقوله تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} وهذا أسلوبٌ لهم في المراهنةِ يقولون: من كم إلى كم؟ سؤالًا بعد العرض، ويستفتحون به العرض أيضا: من كم إلى كم أني أقدر أغلبه؟ وقبوله يعود إلى تجاوز العرب في كلامها وتساهلها معه، فقد ينزلون الحرف منزلة الاسم في “أَزَلَيٌّ” وأصله لم يزل، فكذلك نُنَوِّنُ (كم) تنوينَ كسرٍ وعند الوقف تكون (كم) الثانيةُ ساكنة، والعامة في الأصل تقول: من كم لكم، و (إلى) أجود من اللام أو هي الصحيحة، وأستجيد أسلوبهم: “ما عليك زود”، يقوله المُخَاطَب إلى المُخَاطِب ليستَكِفَّهُ عن السلام والتحية فيباشران الحديث المُراد، وهو معنًى خاص لم يسبق إليه، ولو جعلناه في الفصحى أراه على أن يكون: ما عليكَ فوقَه، والعرب تستعمل كلمة (فوق) في الزيادة على الكلام وغيره.
على ما ترى: هذا تعبير العامة الذي تتصرف به وعذرًا عن ضيق الأمثلة، وهو مستعانٌ بِهِ عظيم، وبابٌ لا يستخف بأمره، وكلام العامةِ في أحوالٍ دليلٌ على كيف كان كلامُ العربِ ليلابسَ المعاني وينظمها بأدواته، وبئسَ من حقَّر اللهجات وعظَّمَ لغةً معاصرةً ركيكةً لا طعمَ لها ولا صبغةً وليست البَتَّةَ من ثوبنا.
أنبهك إلى أنه ليس كل اشتقاق تشتقه العوام من أسلوب أو لفظ صالحٌ لكلام العرب ويلائمه، وليس كلٌّ أهلا ليعتمل في هذا، انتهى والسلام عليكم.